الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

212

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

آذوا هذا النبي الجليل إلى درجة جعلته يصرخ مناديا ربه ليدركه وينجيه من أذاهم وشرهم ، ولو أمعنا النظر في أحوال نوح الواردة في سورة نوح وسورة هود لوجدنا أنه كان محقا أن يرفع صوته ويدعو ربه سبحانه ( 1 ) . ثم تضيف الآية : فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم وفي الحقيقة فإن جملة " فاستجبنا " إشارة مجملة إلى استجابة دعوته ، وجملة فنجيناه وأهله من الكرب العظيم تعتبر شرحا وتفصيلا لها . وهناك اختلاف بين المفسرين في المراد من كلمة ( أهل ) هنا ، لأنه إذا كان المراد منها عائلته وأهل بيته فستشمل بعض أبناء نوح ، لأن واحدا من أولاده تخلف عنه مع المسيئين وأضاع بنوته لعائلته ، وكذلك لم تكن زوجته مؤمنة به . وإن كان المراد من الأهل خواص أتباعه وأصحابه المؤمنين ، فإنها على خلاف المعنى المشهور للأهل . لكن يمكن أن يقال : إن للأهل - هنا - معنى وسيعا يشمل أهله المؤمنين وخواص أصحابه ، لأنا نقرأ في حق ابنه الذي لم يتبعه : إنه ليس من أهلك ( 2 ) وعلى هذا فإن الذين اعتنقوا دين نوح يعدون في الواقع من عائلته وأهله . وينبغي ذكر هذه الملاحظة أيضا ، وهي : إن " الكرب " في اللغة تعني الغم الشديد ، وهي في الأصل مأخوذة من تقليب الأرض وحفرها ، لأن الغم الشديد يقلب قلب الإنسان ، ووصفه بالعظيم يكشف عن منتهى كربه وأساه . وأي كرب أعظم من أن يدعو قومه إلى دين الحق ( 950 ) عاما ، كما صرح القرآن بذلك ، لكن لم يؤمن به خلال هذه المدة الطويلة إلا ثمانون شخصا على المشهور بين المفسرين ( 3 ) ، وأما عمل الآخرين فلم يكن غير السخرية

--> 1 - راجع ما ذكرنا عليه آنفا ذيل الآية ( 25 ) سورة هود . 2 - هود ، 46 . 3 - مجمع البيان ذيل الآية ( 40 ) من سورة هود ، ونور الثقلين ، المجلد 2 ، ص 350 .